الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
منهما الفريق الآخر . فالترائي تفاعل لأنه حصول الفعل من الجانبين . وقولهم : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ بالتأكيد لشدة الاهتمام بهذا الخبر وهو مستعمل في معنى الجزع . و كَلَّا ردع . وتقدم في سورة مريم [ 79 ] كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ردع به موسى ظنهم أنهم يدركهم فرعون ، وعلّل ردعهم عن ذلك بجملة : إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ . وإسناد المعية إلى الرب في إِنَّ مَعِي رَبِّي على معنى مصاحبة لطف اللّه به وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه . وذلك أن موسى واثق بأن اللّه منجيه لقوله تعالى : إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ [ الشعراء : 15 ] ، وقوله : أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [ الشعراء : 52 ] كما تقدم آنفا أنه وعد بضمان النجاة . وجملة : سَيَهْدِينِ مستأنفة أو حال من رَبِّي . ولا يضر وجود حرف الاستقبال لأن الحال مقدرة كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [ الصافات : 99 ] . والمعنى : أنه سيبيّن لي سبيل سلامتنا من فرعون وجنده . واقتصر موسى على نفسه في قوله : إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ لأنهم لم يكونوا عالمين بما ضمن اللّه له من معيّة العناية فإذا علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم . ووجه اقتصاره على نفسه أيضا أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدوّ ، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد الرسول . وهذا وجه اختلاف المعية بين ما في هذه الآية وبين ما في قوله تعالى في قصة الغار إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] لأن تلك معية حفظهما كليهما بصرف أعين الأعداء عنهما ، وقد أمره اللّه أن يضرب بعصاه البحر وانفلق البحر طرقا مرّت منها أسباط بني إسرائيل ، واقتحم فرعون البحر فمدّ البحر عليهم حين توسطوه فغرق جميعهم . والفرق بكسر الفاء وسكون الراء : الجزء المفروق منه ، وهو بمعنى مفعول مثل الفلق . والطود : الجبل . و أَزْلَفْنا قربنا وأدنينا ، مشتق من الزلف بالتحريك وهو القرب . والظاهر أن فعله كفرح . ويقال : ازدلف : اقترب ، وتزلف : تقرب ، فهمزة أَزْلَفْنا للتعدية . والمعنى أن اللّه جرأهم حتى أرادوا اقتحام طرق البحر كما رأوا فعل بني إسرائيل يظنون أنه ماء غير عميق . والآخرون : هم قوم فرعون لوقوعه في مقابلة فريق بني إسرائيل .